كيف يساهم التكامل الخليجي في رسم خريطة الاستثمار العالمي؟
يُشكّل مسار البناء الاقتصادي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية محركًا بنيويًا لتعزيز الاستقرار الإقليمي وإعادة رسم خارطة التدفقات الاستثمارية العالمية. فقد أسهمت مسيرة العمل الخليجي المشترك، منذ تأسيس المجلس في عام 1981م، في بناء قاعدة اقتصادية متنامية تتجاوز أهداف التكامل بين دوله لتتحول تدريجيًا إلى مصدر للنفوذ والمرونة الاقتصادية في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، تأتي مضامين الكلمة التي ألقاها الأمين العام لمجلس التعاون، معالي السيد جاسم محمد البديوي، خلال أعمال الدورة الخامسة عشرة لقمة (AIM) للاستثمار في مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، التي بدأت أعمالها في 7 سبتمبر 2026م برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وبحضور صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم رأس الخيمة، رعاه الله، تحت شعار «إعادة تشكيل الازدهار العالمي: فتح آفاق استثمارية جديدة نحو مستقبل مستدام وشامل»، وقد عكست الكلمة تنامي الدور الخليجي في صياغة البيئة الاستثمارية الدولية، في ظل ما تتمتع به دول المجلس من مقومات اقتصادية ومالية وتنظيمية تعزز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال وتوجيهها نحو قطاعات استراتيجية.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية والمالية لعام 2025 عن حجم الثقل الذي تمثله دول المجلس مجتمعة؛ إذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون مجتمعة نحو 2.4 تريليون دولار أمريكي، بما يضعها ضمن أكبر الاقتصادات عالميًا. وتدعم هذه القوة الإنتاجية قاعدة واسعة من الأصول السيادية التي تتجاوز 5 تريليونات دولار أمريكي، بما يمثل نحو ثلث الأصول السيادية العالمية، إلى جانب قطاع مصرفي تجاري تقترب أصوله من 3.9 تريليون دولار أمريكي. ولا تقتصر أهمية هذه الموارد على حجمها، بل تمتد إلى قدرتها على دعم الاستثمارات طويلة الأجل وتمويل المشاريع التنموية الكبرى، بما يعزز قدرة الاقتصادات الخليجية على الحفاظ على استقرارها والاستمرار في تنفيذ خططها التنموية رغم التقلبات الإقليمية والدولية.
وتنعكس هذه القوة المالية كذلك على قدرة دول المجلس على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى دول المجلس نحو 792.7 مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2025. كما بلغت الاستثمارات البينية الخليجية نحو 171.4 مليار دولار أمريكي، بما يعادل نحو 22 في المئة من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر. وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة؛ لأنها تشير إلى تنامي الترابط الاقتصادي بين دول المجلس، وتُظهر أن التكامل الخليجي لا يقتصر على تسهيل حركة التجارة، وإنما يمتد إلى حركة رؤوس الأموال وتوسيع قاعدة الاستثمار داخل المنطقة.
أسهمت منظومة التكامل الاقتصادي، بما تشمله من منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة، في تهيئة بيئة أكثر ترابطًا لرؤوس الأموال والسلع والخدمات. ومع استمرار تطوير هذه الأطر، يمكن للتكامل الخليجي أن يتحول من آلية لتعزيز التجارة والاستثمار البيني إلى منصة أوسع لاستقطاب الاستثمارات الدولية، مستفيدًا من حجم السوق الخليجية، والقدرات المالية، والموقع الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
بالتوازي مع ذلك، تتجه رؤى التنمية الوطنية في دول المجلس إلى توظيف الموارد المالية في بناء اقتصادات أكثر تنوعًا، مع التركيز على توسيع دور القطاع الخاص وتعزيز الحوكمة والأطر التشريعية. وتفتح هذه التحولات مجالات استثمارية متنامية في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والخدمات المالية، والاقتصاد المعرفي. ومن شأن هذا التوجه أن يعزز قدرة دول مجلس التعاون على الانتقال من دور المنتج والمصدّر للطاقة إلى دور أكثر تأثيرًا في قطاعات جديدة من الاقتصاد العالمي، بما يرفع من قدرتها على التأثير في سلاسل القيمة والاستثمار الدولية.
من هذا المنظور، يتجاوز التكامل الخليجي مفهوم التنسيق الاقتصادي التقليدي ليكتسب أبعادًا جيو-اقتصادية أوسع. فكلما ازدادت قدرة دول المجلس على تنسيق سياساتها الاقتصادية والاستثمارية، وتعزيز الترابط بين أسواقها، وتطوير بيئتها التشريعية، ارتفعت قدرتها على التفاوض ككتلة ذات تأثير مع الشركاء الدوليين واستقطاب الاستثمارات النوعية وتوجيهها نحو قطاعات ذات قيمة مضافة عالية.
وعليه، تترسخ مكانة مجلس التعاون تدريجيًا كمركز ثقل جيو-اقتصادي قادر على الربط بين الأسواق العالمية، والمساهمة في إعادة تشكيل سلاسل القيمة والاستثمار. ولا تكمن أهمية التكامل الخليجي في حجم الموارد المتاحة فحسب، وإنما في القدرة على تحويل هذه الموارد إلى نفوذ اقتصادي منظم ومستدام. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال دول المجلس من بناء التكامل الاقتصادي كهدف إقليمي إلى توظيفه كأداة استراتيجية لتعزيز موقع الخليج العربي في الاقتصاد العالمي وصياغة فرص استثمارية تتجاوز حدود المنطقة في ظل الترابط غير المسبوق بين اقتصادات دول العالم.
الباحثة تسنيم عبدالله عيسى، باحث مساعد في برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية، مركز (دراسات)