لماذا يجب أن تكون دول الخليج العربي طرفاً في أي مفاوضات إقليمية؟
بعد إعلان الرئيس ترامب في 8 أبريل الجاري وقف العمليات المتبادلة بين أطراف الحرب لمدة خمسة عشر يوماً، يتم خلالها بدء مفاوضات لإبرام اتفاق مع إيران، رأى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنها تمثل أرضية مناسبة للتفاوض مع إيران، تثار مسألة ضرورة مشاركة دول الخليج العربي في تلك المفاوضات، وهو المطلب الذي أكده معالي السيد جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، في تصريح سابق، حين طالب بـ “ضرورة إشراك دول الخليج في أي محادثات أو اتفاقيات تُعنى بحل الأزمة الراهنة”، محذراً من أن “أي أطر أو مبادرات أو ترتيبات إقليمية يراد بها تغيير خريطة الشرق الأوسط بعد هذه الأزمة مرفوضة رفضاً قاطعاً”. حديث البديوي أعاد التأكيد على مطلب خليجي مستمر طيلة المفاوضات التي عقدت بين الولايات المتحدة وإيران خلال كافة مراحل التوتر بين الجانبين، وينطلق من ثلاثة أسس. الأول: تشكل القضايا التي سوف تدور حولها المفاوضات الأمريكية-الإيرانية المتوقعة في باكستان في 11 أبريل 2026م جوهر مستقبل أمن الخليج العربي من منظور استراتيجي. فالملف النووي وبرامج الصواريخ، وأمن مضيق هرمز، وسياسات إيران الإقليمية؛ جميعها قضايا لا تخص إيران والولايات المتحدة فحسب، بل هي أساس أمن الخليج العربي، وعدم حسم أيٍّ منها يعني إبقاء منطقة الخليج في حالة من عدم الاستقرار المزمنة. بمعنى آخر، يكرّس التهاون مع إيران بشأن أي قضية مما سبق الخلل في توازن القوى الإقليمي، وهو معضلة أمن الخليج منذ الثورة الإيرانية في عام 1979م وحتى الآن. الثاني: رغم سياسة الحياد التي انتجهتها دول الخليج العربي خلال الأزمات، تم الاعتداء عليها من قِبَل إيران، سواءً خلال الحرب العراقية-الإيرانية أو خلال الحرب قبل إعلان الهدنة المؤقتة، ما يعني أن الاتفاق المزمع لا يخص طرفيه المباشرين فقط، بل لا بد من إدراج ضمانات فيه بعدم اعتداء إيران على أي دولة من دول مجلس التعاون الست، بل هو مطلب أساسي لأي علاقات مستقبلية بين دول مجلس التعاون وإيران. ثالثاً: لا يجب أن يكون هدف المفاوضات والاتفاق إنهاء الحرب بشكل نهائي بعد مهلة الخمسة عشر يوماً فحسب، بل التفكير في أسس مستدامة للأمن، ولن يتحقق ذلك بواسطة اتفاق بين طرف إقليمي وآخر عالمي، وإنما لا بد وأن يشمل دول الخليج العربي.
قد يكون من المبكر الحديث عن مجمل ترتيبات الأمن الإقليمي ومساراتها في منطقة الخليج العربي، إلا أن الحقائق التي يجب إعادة التركيز عليها هي أن دول الخليج العربي – من خلال قدراتها الاقتصادية ودورها الفاعل في ضمان أمن الطاقة العالمي، ودورها كوسيط في العديد من النزاعات – تعد حجر الزاوية في معادلة الأمن الإقليمي، وشريك موثوق للقوى الدولية، وهو ما عكسته توجهات التصويت الأممي لمشروع القرار رقم 2817 الذي تقدمت به مملكة البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والأردن، وحظي بدعم 136 دولة، و تضمّن إدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. من ناحية ثانية، فإن وضوح أطر مواجهة تهديدات الأمن الإقليمي، وخاصةً حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، يعد تطبيقاً عملياً لنصوص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، في وقت كثر فيه الجدل حول تطبيق القانون الدولي، وأهمية المنظمة الأممية للسلم والأمن الدوليين. من ناحية ثالثة، يعد حسم تلك التهديدات دعماً للأمن الإقليمي ذاته، الذي خصص له ميثاق الأمم المتحدة الفصل الثامن كاملاً، ويحث الدول على التعاون الإقليمي.
إن فترة الحرب، بما جرّته على دول الخليج العربي من تبعات وتحديات غير مسبوقة على المستويات الأمنية والاقتصادية تتطلب أن يكون أي اتفاق شاملاً لمصالح دول مجلس التعاون، ما يعني إنهاء الأزمات في المنطقة وليس إدارتها، وخاصةً في ظل استنزاف تلك الأزمات لموارد المنطقة ومكتسباتها. وتدرك دول الخليج العربي أن المنطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية، وستظل مثار اهتمام العديد من الدول، كما تدرك دول الخليج عوامل الجغرافيا الثابتة، لكن بالنظر إلى أقاليم أخرى في العالم تتجاور فيها دول تتباين في توجهاتها بل وقدراتها، ولم يكن ذلك التباين سبباً في تهديد مزمن للجيران على غرار ما تقوم به إيران منذ عام 1979م وحتى الآن، أضحت إجراءات بناء الثقة هي أساس العلاقات في أقاليم عديدة في العالم، وتتضمن احترام سيادة الدول واستقلالها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية الصراعات بالسبل السلمية، وهي الأسس التي قامت عليها المنظمة الأممية.
لقد سعت مملكة البحرين، وبدعم من عدد من دول المنطقة والعالم، إلى توفير مظلة دولية دائمة لتأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز، من خلال مشروع القرار الذي تقدمت به المملكة بشأن حرية الملاحة في المضيق، ولكن مجلس الأمن لم يستطع إقراره في 7 أبريل 2026م بسبب الفيتو الروسي-الصيني ضد مشروع القرار. ولو صدر القرار لكان خطوة بالغة الأهمية لتحقيق الأمن المستدام في منطقة الخليج العربي في مجال الأمن البحري وغيره، فضلاً عن كونه سوف يرسخ لفكرة تطبيق القانون الدولي، كما أشار سعادة الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير خارجية مملكة البحرين، بقوله: “إن مشروع القرار يمثل استجابة منسقة ومرتكزة إلى القانون الدولي، تهدف إلى توفير الوضوح والتنسيق اللازمين لمواجهة انتهاكات إيران للقانون الدولي، وتهديداتها للملاحة البحرية في مضيق هرمز”.
لست بحاجة للتأكيد مجدداً على أن كافة الأزمات الإقليمية التي شهدتها المنطقة أكدت بلا أدنى شك على أن “أمن العالم يبدأ وينتهي في الخليج”، ومن ثم فإما أن تكون هناك رؤية شاملة ودائمة لإنهاء مسببات تهديد الأمن الإقليمي، أو يواجه العالم تهديدات مماثلة بل أكثر حدة مستقبلاً، إذا كان الهدف هو مجرد وقف لإطلاق النار دون ضمانات حقيقية تجبر إيران على احترام أمن دول الخليج العربي، إذا أرادت فعلاً علاقات حسن الجوار.
د. أشرف محمد عبدالحميد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية
