مبادرة ناصر بن حمد لتصنيف الأغذية: رهان وطني لتعزيز الصحة العامة
في مبادرة نوعية لدعم الصحة العامة في مملكة البحرين، وجه سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، بدراسة تطبيق نظام موحد للإفصاح عن السعرات الحرارية للأطعمة المقدمة من المطاعم، في خطوة تهدف إلى رفع مستوى الوعي الصحي ودعم تبنّي أفراد المجتمع لأنماط الحياة الصحية. يهدف هذا النظام أيضاً إلى تمكين المستهلكين من اتخاذ خيارات غذائية أفضل.
تُعتبر هذه المبادرة مهمة لأسباب اقتصادية وصحية عديدة. فوفقاً لإحصائيات عام 2024، وصل إجمالي الإنفاق الحكومي من الميزانية المعتمدة للقطاع الصحي – بما في ذلك الهيئات الصحية والمستشفيات – حوالي 322 مليون دينار بحريني. يزيد الإنفاق الحكومي مع زيادة أعداد المسجلين ضمن المصابين بالأمراض غير السارية، إذ وصل عددهم إلى حوالي 433 ألف شخص بحسب الترتيب الآتي: أمراض القلب 234,455 شخصاً؛ وأمراض الجهاز التنفسي 229,093 شخصاً؛ وأمراض السكر حوالي 124,146 شخصاً؛ وأخيراً أمراض السرطان 7129 شخصاً. وازدادت أعداد الإصابات بشكل واضح منذ عام 2015، وتزداد الإصابات السنوية منذ عام 2021 بحوالي 27 ألف إصابة سنوياً، بحسب بوابة البحرين للبيانات المفتوحة. إلا أن جميع هذه الأمراض يمكن تجنّبها أو التقليل من آثارها عن طريق اتباع الأنماط الصحية، مثل الرياضة واتباع نظام غذائي صحي، وتجنّب الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية أو التي تحتوي على نسبة عالية من الدهون المشبعة والصوديوم والسكريات، التي قد تزيد من فرص الإصابة بزيادة الوزن والسمنة.
في علم الاقتصاد، تسعى الهيئات الحكومية من خلال اللوائح والقوانين إلى خفض المعلومات غير المتماثلة (information asymmetry) بين المنتجين والمستهلكين. ومثالٌ على ذلك، في قطاع المطاعم، يقوم المستهلكون بشراء الوجبات دون دراية بحجم الحصة الغذائية، والسعرات الحرارية، والنشويات والبروتين والدهون، وغيرها من الإضافات الموجودة في الوجبات، مما يزيد من المعلومات غير المتماثلة حول هذه الوجبات بين المستهلكين والمنتجين. ربما كان لتقليل مستوى المعلومات غير المتماثلة عدة مزايا من خلال هذه المبادرة. أولاً: زيادة الوعي الصحي للمستهلكين، حيث تزيد هذه المبادرة من فرص شراء المستهلكين لوجبات ذات سعرات أقل أو صحية أو ذات مكونات غذائية متوازنة. ثانياً: عند تحوُّل المستهلكين إلى شراء الأطعمة ذات السعرات الأقل أو الصحية مع مرور الوقت، يشجع ذلك المنتجين (المطاعم) على تعديل النمط المتبع لتقديم الأطعمة من خلال خفض السعرات أو تقديم وجبات صحية بشكل عام. ثالثاً: قد تؤدي هذه المبادرة – من خلال تشكيلها للدورة الإيجابية بين المنتجين والمستهلكين – إلى خفض مستويات الإصابة بالأمراض غير السارية بمرور الوقت، مما سينعكس مباشرةً على توفير التكلفة للإنفاق الحكومي على القطاع الصحي، وخصوصاً على الأمراض غير السارية مع انخفاض عدد الإصابات.
وفي مبادرات دولية متنوعة لدعم الصحة العامة وتعزيز الوعي الصحي بالأطعمة، تطبق بعض دول الاتحاد الأوروبي نظام الـ (Nutri-Score) – أو النتيجة التغذوية – بشكل واسع في محلات السوبرماركت والمطاعم منذ أكتوبر 2017. وقامت حكومة أبوظبي في مارس 2025 بتطبيق نظام مماثل تحت مسمى الـ (Nutri-Mark) – أو العلامة التغذوية. ويصنف هذا النظام القيمة الغذائية للأطعمة والمشروبات، وعرضها على واجهة غلاف المنتج بتدرج لوني من الأخضر الداكن إلى الأحمر مع رموز أحرف من (A) الأكثر صحة إلى (E) الأقل صحة. يُحسب النظام عبر خوارزمية تقارن العناصر المفيدة، مثل الألياف والبروتين والفواكه، بتلك التي يجب الحد منها، كالسكريات والدهون المشبّعة والملح، بهدف التسهيل على المستهلكين لاتخاذ خيارات غذائية واعية. لكن لِمَ قررت هذه الدول تطبيق هذه الأنظمة بشكل واسع؟
تم تطبيق هذا النظام بعد دراسات أكاديمية مستفيضة وتخطيط استراتيجي واسع، نظراً لكونه أحد أكثر الأنظمة فاعلية في توجيه المستهلكين نحو خيارات غذائية أكثر صحة، إذ يعتمد النظام على ملصق بتدرّج لوني وحرفي مبسط لتسهيل فهم البيانات الغذائية المعقدة، ومساعدة المستهلكين على المقارنة السريعة بين المنتجات. ولا يقتصر دور النظام على توعية المستهلكين، بل يحفز تصنيعي الأغذية أيضاً على إعادة تركيب منتجاتهم استباقياً عبر تقليل السكر والملح والدهون المشبّعة، وإضافة العناصر الغذائية الصحية للحصول على تصنيف أفضل باللون الأخضر. تدعم هذه الاستراتيجية الحد من الأمراض المزمنة والسمنة، وتعزز شفافية القطاع الغذائي.
تُعدّ مبادرة سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة للإفصاح عن السعرات الحرارية خطوة وطنية مهمة تعزز الوعي المجتمعي بطبيعة القيمة الغذائية للوجبات المُستهلكة في المطاعم. وبإجراء دراسة تجريبية تشمل مختلف فئات المجتمع، يمكن النظر إلى تطبيق نظام مشابه لما هو متّبع في الاتحاد الأوروبي وإمارة أبوظبي، مما سيرفع من مستوى الوعي الغذائي الشامل، ويدفع عجلة التغيير الإيجابي في قطاع الأغذية نحو تقديم منتجات أعلى جودة وأكثر أماناً للأجيال الحالية والقادمة.
علي إبراهيم مصطفى فقيه، محلل أول