معوّقات تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / معوّقات تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م

كثيرة هي القضايا التي أُثيرت خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منها إغلاق إيران لمضيق هرمز؛ أحد أهم الممرات المائية للتجارة الدولية، مما أثار تساؤلات حول القوانين الدولية التي تنظّم الملاحة البحرية في مثل تلك الممرات.

تُعدّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي اعتُمِدت عام 1982م ودخلت حيّز التنفيذ عام 1994م، الإطارَ القانوني الدولي الذي ينظّم جميع الحقوق والواجبات البحرية للدول، إذ تتسم موادها الـ320 وملاحقها التسعة بالشمول، ويبلغ عدد الدول الأطراف فيها 170 دولة حتى الآن.

وقبل الخوض في القضايا الجدلية بشأن تلك الاتفاقية – التي تُوظَّف على نحوٍ خاطئ من جانب بعض الدول، ومنها إيران، لتهديد الملاحة البحرية بما يتعارض مع أحكامها – تكمن المفارقة في أنه، بالرغم من أن البحار موجودة منذ بدء الخليقة، لم تُقَرّ تلك الاتفاقية إلا في ذلك العام. فقد شهدت تلك الاتفاقية إحدى أطول المفاوضات الدولية في التاريخ بين عامي 1973 و1982م. ويكمن تفسير ذلك في أنه، رغم حرص دول العالم على تنظيم العلاقات الدولية من خلال أطر قانونية مُلزِمة، فمن الطبيعي أن تسعى كل دولة إلى الحفاظ على ميزة نسبية لها ضمن تلك العلاقات. ومن الأمثلة على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، التي وقّعت على الاتفاقية، لكنها لم تُصادق عليها من قِبل السلطة التشريعية، ومن ثم فهي ليست مُلزَمة بأحكامها، وتراها «قانوناً دولياً عُرفياً»؛ نظراً لامتلاكها عدة أساطيل بحرية تتمركز في مفاصل حيوية من المياه حول العالم، مما يمنحها ميزة استراتيجية هائلة، سواءً للحفاظ على مصالحها أو ضمن الصراع والتنافس مع القوى العالمية الأخرى. مع ذلك، تعلن الولايات المتحدة التزامها عُرفياً بعدد من أبرز أحكام الاتفاقية، كحرية الملاحة في البحار، وحدود المياه الإقليمية (12 ميلاً بحرياً)، والاعتراف بالمناطق الاقتصادية الخالصة للدول (حتى 200 ميل بحري)، ومكافحة القرصنة في أعالي البحار، وعمليات البحث والإنقاذ، وحماية البيئة البحرية.  

ومع أهمية تلك الاتفاقية، توجد خمس معضلات تعترض تطبيقها على النحو الذي يضمن أمن الملاحة البحرية، سواءً في مضيق هرمز أو غيره من الممرات المائية الدولية.

أولاً: عدم وجود سلطة دولية تُجبر الدول على احترام القانون الدولي عموماً، ومنه أحكام تلك الاتفاقية، إذ يرتبط الأمر بقدرة كل دولة على حماية مصالحها البحرية وفقاً لما تمتلكه من قوات ونفوذ بحري. ثانياً: الخلافات الحدودية بين الدول وتأثيرها في تطبيق تلك الاتفاقية، فبعض الدول تحتسب مياهها الإقليمية انطلاقاً من نقاط بحرية تسيطر عليها، ولا تزال هناك خلافات بشأنها.

ثالثاً: تأثير التطور التكنولوجي في المجال العسكري على الأمن البحري. صحيحٌ أن الاتفاقية أشارت إلى الجرائم البحرية بالتفصيل، مثل القرصنة، إلا أن نجاح بعض الجماعات دون الدول في توظيف التكنولوجيا الحديثة لتهديد الأمن البحري يجعل من الصعب إثبات تلك الجرائم وآليات المحاسبة عليها. رابعاً: بالنظر إلى ما يزخر به المجال البحري من ثروات عديدة، وسعي الدول البحرية إلى الاستفادة منها، يثير ذلك مسألة النزاعات الحدودية البحرية. خامساً: استمرار اعتبار الدول المنافذ البحرية مصدراً للنفوذ والقوة. لذا نجد أن الدول «حبيسة اليابسة» تسعى جاهدة إلى إيجاد منافذ بحرية لها عبر دول مجاورة، وهو ما يُعد مصدراً لحالة التوتر وعدم الاستقرار في العلاقات بين الدول الواقعة ضمن ذلك النطاق الجغرافي.

بين عامَي 2021 و2026م، شهدت الممرات المائية الدولية تهديدين؛ الأول كان بسبب حادث عرضي تمثّل في جنوح سفينة الحاويات البنمية العملاقة «إيفر غيفن» في المجرى الملاحي لقناة السويس المصرية لمدة ستة أيام بسبب سوء الأحوال الجوية وسوء تقدير الطاقم، وهي القناة التي تُعد ممرًا لنحو 12% من التجارة العالمية. أما الثاني، فكان بسبب الحرب الأخيرة (2026م) وسعي إيران إلى توظيف مضيق هرمز أداةَ ضغطٍ ومساومة خلالها، مما أضرّ باقتصادات دول كثيرة. ويعكس هذان الحدثان، وغيرهما، أهمية تأمين الملاحة البحرية في تلك الممرات، وأن المسألة لا تكمن فقط في إجبار الدول المشاطئة لها على احترام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بل أيضًا في استعداد دول العالم وتعاونها لتأمين تلك الممرات بجهود جماعية.

وعوداً على بدء، تحتاج الاتفاقية المذكورة إلى جهد دولي جماعي لوضعها موضع التطبيق، في ظل أهمية ومحورية الممرات المائية الدولية والاعتمادية المتبادلة بينها؛ إذ لم يكن إغلاق مضيق هرمز الحالة الأولى من نوعها، ولن يكون الأخيرة، مما يفرض على المجتمع الدولي اتخاذ المزيد من الخطوات والسياسات الجماعية للحيلولة دون تكرار مثل تلك الحوادث التي تضر بالاقتصادات العالمية على المديَيْن القريب والبعيد.

 

د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية، مركز “دراسات”

آخر تحديث : 19 يوليو 2026