مملكة البحرين مرتكز الجهود الدولية لأمن الملاحة البحرية في الخليج العربي
عندما نتحدث عن أمن الملاحة البحرية في الخليج العربي، تنصرف الأذهان مباشرةً إلى مضيقي هرمز وباب المندب، فالبنسبة لمضيق هرمز، تعتمد دول الخليج عليه في تجارتها مع دول العالم، وبالأخص ثلاث دول ليس لديها منافذ بديلة، وهي: مملكة البحرين ودولة قطر ودولة الكويت، إذ تعتمد كلياً على المضيق في تجارتها عبر البحار، سواءً للنفط أو الغاز أو السلع الأخرى. أما مضيق باب المندب، فتعتمد عليه كافة دول الخليج في تجارتها البحرية مع مناطق مختلفة من العالم.
ويعني ما سبق أن لدول الخليج مصلحة استراتيجية في تأمين الملاحة في هذين المضيقين، ليس فقط لكونهما من شرايين التجارة الدولية البحرية بالنسبة لها، ولكن لسعي إيران ووكلائها إلى توظيف الممرات المائية في الصراعات الإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي لم تعكسه أحداث الحرب الأخيرة فحسب، بل كان ضمن السياسات الإقليمية لإيران عبر عقود خلت.
ولعل المتتبع للجهود الدولية لمواجهة تهديدات الأمن البحري في المنطقة يجد أن مملكة البحرين كانت هي المرتكز الأساسي لتلك الجهود؛ فهي مقر قوات الواجب المشتركة، وهي قوات دولية مكوّنة من 47 دولة – حتى تاريخه – تشمل مجموعات مختلفة المهام، منها القوة 151 المختصّة بمواجهة تهديدات الأمن البحري في نطاق بحر العرب وخليج عمان، وقد تولت البحرين رئاستها أكثر من مرة من خلال سلاح البحرية الملكي البحريني التابع لقوة دفاع البحرين، مما أكسبها خبرة في التعامل مع حالات الطوارئ البحرية عبر السنوات الماضية.
من ناحية ثانية، حرصت مملكة البحرين على تقديم الدعم والانضمام إلى كافة الجهود الهادفة إلى مواجهة تهديدات الأمن البحري، بدءاً بدعم جهود عملية “الإرادة الجادة” التي قادتها إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان من يوليو 1987م إلى سبتمبر 1988م لحماية ناقلات النفط في الخليج العربي من الاعتداءات خلال الحرب العراقية-الإيرانية؛ مروراً بانضمام المملكة إلى التحالف العسكري البحري لأمن الملاحة في الخليج العربي “سانتينال”، إلى جانب ست دول أخرى بقيادة الولايات المتحدة في الفترة الرئاسية الأولى لدونالد ترامب في عام 2019م؛ وانتهاءً بالانضمام إلى تحالف “حارس الازدهار” الذي أسسته الولايات المتحدة في ديسمبر 2023م، والهادف إلى حماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن من هجمات الحوثيين في اليمن.
وبالتوازي مع المساهمات الأمنية، يوجد مسار سياسي آخر. ففي أعقاب فوز مملكة البحرين بالعضوية غير الدائمة بمجلس الأمن الدولي لعامي 2026-2027م، أشار وزير الخارجية سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني إلى وجود عدة أولويات للمملكة خلال هذه العضوية، منها تأمين الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز، وهو ما وجد سبيله نحو التطبيق من خلال مشروع القرار الذي تقدمت به المملكة بشأن حرية الملاحة في المضيق، لكن مجلس الأمن لم يستطع إقراره في 7 أبريل 2026م بسبب الفيتو الروسي-الصيني ضده. هذا بالإضافة إلى ترؤّس سعادة وزير الخارجية لجلسة مجلس الأمن في 27 أبريل، بناءً على طلب مملكة البحرين لمناقشة الأمن البحري، وكانت عبارة عن مناقشة مفتوحة بمشاركة أكثر من 80 دولة، وخلال تلك الجلسة، ألقى سعادة الوزير الزياني كلمة تضمّنت؛ أولاً: وجود أكثر من 90 ألف سفينة تبحر يومياً في البحار والمحيطات تحمل على متنها بضائع بمليارات الدولارات، ما يعني أن أي تهديد لتلك الممرات يستدعي استجابة جماعية دولية. ثانياً: سيؤثر أي تقييد أو عرقلة للملاحة الدولية بشكل مباشر على التجارة الدولية، وأمن الطاقة، والاستقرار الاقتصادي العالمي، فضلاً عن إمدادات الغذاء والدواء وإيصال المساعدات الإنسانية. ثالثاً: التأكيد على وجود أسس يمكن الاستناد إليها لاتخاذ إجراءات عملية مؤسسية لتعزيز قواعد الملاحة البحرية المطبقة عالمياً، منها قرار مجلس الأمن 552 لعام 1984، وقرار مجلس الأمن 2817، وقرار مجلس حقوق الإنسان (1/61)، وكذلك البيان الرئاسي لمجلس الأمن الصادر في 2 أبريل 2026م.
وفي تقديري، أسست جهود مملكة البحرين لمسارات أمنية وسياسية مهمة لتعاون المجتمع الدولي في مواجهة تهديدات الأمن البحري، التي تنعكس على كافة مناحي الحياة، وتمس كافة القطاعات الاقتصادية في دول العالم، وما لم يحدث تحرك دولي جماعي لتأمين كافة الممرات البحرية الحيوية، فإن العالم مقبل على مراحل من الركود والكساد الاقتصادي، وحقبة جديدة من التهديدات الأمنية غير المسبوقة، التي ستكون مثالاً للحروب غير المتماثلة. ففي البحار، يمكن استهداف أهداف عالية القيمة بتكلفة رخيصة، ولا أبالغ حين أقول بأن المستقبل الاقتصادي للعالم – إزدهاراً أو تدهوراً – مرتبط بأمن البحار والممرات المائية الدولية.
د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية، مركز “دراسات”