نهاية عصر الاحتواء وإعادة بناء مفهوم الأمن الجماعي

الرئيسية / الأبحاث والتحليلات / نهاية عصر الاحتواء وإعادة بناء مفهوم الأمن الجماعي

لطالما اعتمد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، إلى حد كبير، على مبدأ الاحتواء كأحد الأدوات الرئيسية للحد من تفاقم الأزمات. وقد برز هذا النهج خلال العقود الماضية في كيفية التعامل مع مختلف التوترات الإقليمية. فعلى الرغم ما حققه من نجاح نسبي في تقليص آثار بعض الأزمات، فإن التحولات المتسارعة التي شهدها الإقليم في السنوات الأخيرة، والتي تصاعدت وتيرتها منذ عام 2023م، أبرزت حالة من عدم اليقين تجاه هذا النهج وفاعليته. فقد نتج عن هذه المتغيرات نظامًا إقليميًا معقدًا ومتشابكًا، ما من شأنه أن يحد من قدرة سياسات الاحتواء على ضبط التفاعلات بين الأطراف الفاعلة إقليميًا، أو الحيلولة دون انجراف المنطقة نحو مستويات أعلى من التصعيد.

وفي هذا السياق، برزت منطقة الشرق الأوسط — ولا سيما الخليج العربي — باعتبارها محورًا رئيسيًا لاهتمام قوى إقليمية ودولية متعددة، سعى كلٌّ منها إلى طرح تصوراته الخاصة لمفهوم الأمن الجماعي. فقد قدمت روسيا، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، تصورات متعددة للأمن الجماعي في الخليج، جرى تحديثها على مراحل حتى وصلت إلى نسختها الأحدث في عام 2022م. كما قدمت إيران في عام 2019م “مبادرة هرمز للسلام”. أما الصين، فقد طرحت في عام 2021م مبادرتها ذات النقاط الخمس لتعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. فيما أعلنت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 2024م رؤيتها المشتركة للأمن الإقليمي، لتكون بذلك أحدث مبادرة مطروحة في هذا الجانب، لكن أيّاً من تلك المبادرات لم يترجم إلى خطوات عملية على أرض الواقع.

ومع حالة التصعيد الأخيرة التي شهدتها المنطقة منذ 28 فبراير الماضي، وتأثر دول مجلس التعاون بصورة مباشرة من تبعاتها، عبر الاعتداءات الإيرانية المباشرة التي طالت منشآتها الحيوية وبناها التحتية، فإنه بات من الجلي أن سياسات الاحتواء النمطية لم تعد كافية لضبط التفاعلات في المنطقة بما يحفظ للإقليم أمنه وسلامته، إذ أظهرت قصورًا واضحًا في سبل خفض التصعيد، وبات من الضرورة بمكان التركيز على خلق أو تبني إطار مشترك للأمن الجماعي في المنطقة، لا سيما في ضوء اتفاق وقف إطلاق النار المُعلن مؤخرًا بين الولايات المتحدة وإيران، والذي من المفترض أن يستمر لمدة أسبوعين، ويؤمل استمراره لفترة أطول.

وفي ضوء ذلك، تجدر الإشارة إلى العودة المتوقعة للأطروحات المتعلقة بمبادرات الأمن الجماعي في المنطقة، إذ صرح فلاديمير سافرونكوف، مبعوث الخارجية الروسية لشؤون الشرق الأوسط، في 28 مارس الماضي بقوله: “إن المبادرة الروسية للأمن الجماعي في الخليج مازالت مطروحة، والحرب الراهنة تفرض تفعيلها”، وهو طرح قد يكون من الملائم أن يقابل بمساعٍ خليجية معاكسة لإعادة رؤيتها المطروحة في عام 2024م بشأن الأمن الإقليمي إلى الواجهة، لتكون منطلقًا لأي إجراءات تتعلق بتوفير إطار عملي لإعادة ترتيب الأولويات الأمنية، وحفظ استقرار الإقليم انطلاقاً من سياسة حسن الجوار والاحتكام للشرعية الدولية.

لقد بينت حالة التصعيد الأخيرة تداخلًا عميقًا بين السياسة والجغرافيا، وفي ضوء ما خلفته من إخلال عميق لبنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بصورة عامة، وبالأخص في منطقة الخليج العربي، فقد بات الحل الأكثر جدوى للمرحلة المقبلة متمثلاً في تطوير تفاهمات إقليمية تحفظ أمن وسلامة المنطقة، وتحول دون تكرار ما حدث، وصولًا إلى تحقيق أمن شامل ومستدام في الشرق الأوسط.

إقرأ المقالة

عبد الرحمن ابراهيم الفزيع، محلل أول

آخر تحديث : 14 أبريل 2026