عندما تتحدث المملكة العربية السعودية

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / عندما تتحدث المملكة العربية السعودية

في 31 مارس 2015م، قال وزير الخارجية السعودي الأسبق صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل رحمه الله أمام مجلس الشورى السعودي: “نحن لسنا دعاة حرب، لكن إن قرعت طبولها فنحن جاهزون لها”. لم تكن تلك الكلمات مجرد رد على ظرف سياسي آنذاك، بل عبّرت عن عقيدة راسخة في سياسة المملكة العربية السعودية. فالدبلوماسية هي أرقى أدوات القوة، لأنها تمنح السلام فرصةً قبل أن تمنح الحرب مبرراً، غير أن حماية الأمن الوطني وسيادة الدولة تظل واجباً لا يقبل التردد عندما تُسْتَنْفَد فرص الحوار.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة الضربات الأخيرة التي نفذتها المملكة العربية السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية (سنتكوم)، ضد مواقع لفصائل مسلحة مدعومة من إيران داخل العراق، باعتبارها تحولاً في قواعد التعامل مع مصادر التهديد، بحيث لم يعد الاعتداء يمر دون كُلفة، ولم تعد الجماعات المسلحة بمنأى عن المساءلة والردع. كما أكدت الولايات المتحدة الأمريكية أن العملية نُفِّذَتْ بالتنسيق مع الحكومة العراقية، مما يؤكد أن الهدف لم يكن الدولة العراقية، بل الجماعات المسلحة الخارجة عن إطارها الرسمي. وجاء موقف مملكة البحرين، إلى جانب أشقائها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مؤيداً لحق المملكة العربية السعودية في الدفاع عن نفسها وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، في تأكيد جديد لوحدة الموقف الخليجي تجاه أي تهديد يمسّ أمن المنطقة.

إن الرسالة الأهم في هذه التطورات ليست استخدام القوة بحد ذاتها، وإنما ترسيخ معادلة الردع. فالتاريخ يُثبِت أن السلام لا يُصان بالنوايا الحسنة وحدها، بل عندما يدرك من يهدد الأمن أن اعتداءه سيكلفه أكثر من أي مكاسب متوقعة. لقد أسهمت إيران، بدعمها لفصائل مسلحة خارج إطار الدولة في عدد من دول المنطقة، في تقويض مبادئ سيادة الدول وحسن الجوار، بما يخالف ميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي.

من هنا، فإن المملكة العربية السعودية لا تدافع عن حدودها فحسب، بل تمارس مسؤوليتها بوصفها قوةً إقليميةً محورية في صَوْن الأمن والسلم الإقليميَّيْن، وترسيخ الاستقرار في المنطقة، والدفاع عن مفهوم الدولة في مواجهة مفهوم الميليشيا.

ويبقى العراق أحد أهم أعمدة التوازن في الشرق الأوسط. فبما يمتلكه من موقع جغرافي وثروات طبيعية ورصيد حضاري ورأس مال بشري، يستطيع أن ينهض مجدداً ليكون محركاً للتنمية والاستقرار في المنطقة. إلا أن تحقيق هذا المستقبل يظل مرهوناً بدولة قوية تحتكر السلاح، وتبسط سيادة القانون، وتكرّس احتكارها للقرارَيْن الأمني والعسكري، بما يصون سيادتها ويعزّز استقرارها، ويجنّبها الانخراط في صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية.

إن عودة العراق إلى دوره العربي الفاعل يُعد مكسباً للمنطقة بأسرها، فاستقرار العراق يعني استقرار الخليج العربي، وتعافي اقتصاده يفتح آفاقاً جديدة للتكامل العربي، ويعيد إلى بغداد مكانتها الطبيعية بصفتها جسراً للتعاون لا ساحةً للصراعات.

وعندما تتحدث المملكة العربية السعودية، فإنها لا تعلن موقفاً عسكرياً فحسب، بل تؤكد أن استقرار المنطقة لا يُبنى إلا بسيادة الدول، ولا يُصان إلا باحتكارها لاستخدام القوة، وأن مستقبل الشرق الأوسط يبقى رهناً بانتصار فكرة الدولة على فكرة الميليشيا. لذلك، عندما تتحدث المملكة، فإن المنطقة تُنْصِت، والعالم يراقب، لأن ما يصدر عن الرياض لم يعد مجرد موقف سياسي، بل رؤية لمستقبل المنطقة الأشمل.

أحمد خليل بوحجي، متخصص في الشؤون الخارجية والسياسة الدولية، زميل غير مقيم في مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة.

آخر تحديث : 5 أغسطس 2026