نتائج قمة منظمة شنغهاي للتعاون: إجراءات تكتيكية أم تقارب استراتيجي؟ 

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / نتائج قمة منظمة شنغهاي للتعاون: إجراءات تكتيكية أم تقارب استراتيجي؟ 

منظمة شنغهاي للتعاون هي منظمة دولية تأسست في عام 2001م وضمت في بدايتها 6 دول آسيوية، من بينها الصين وروسيا، ليزداد عدد دولها في الوقت الراهن إلى عشرة أعضاء و15 دولة بصفة شريك، ودولتين مراقبتين هما منغوليا وأفغانستان، بعدد سكان يناهز نصف سكان العالم ونسبة حوالي 23,5% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي العالمي. تستهدف المنظمة التعاون والتنسيق بين أعضائها في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، ويطلق عليها مسمى “الناتو الآسيوي” بالنظر لكونها تضم في عضويتها دولاً تناوئ سياسات حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وإذا كانت هذه السمات تثير الاهتمام بتلك المنظمة – بالنظر لأعضائها وثقلها الاقتصادي، خاصةً لكونها تضم في عضويتها أيضاً عدداً من الدول الرئيسية والفاعلة في مجال الطاقة – فإن القمة الأخيرة، التي عقدت في مدينة تيانجين  الصينية خلال الفترة من 31 أغسطس إلى 1 سبتمبر، قد جاءت في ظل ظروف بالغة الأهمية لأعضاء تلك المنظمة؛ ليس فقط للعلاقة مع الولايات المتحدة، بل أيضاً لمدى تأثير مخرجاتها بالنسبة للمنظمة ذاتها كمحور أمني عالمي صاعد على منظومة العلاقات الدولية.  

كان لافتاً أنه من بين المشاركين في تلك القمة أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وكاو كيم هورن، الأمين العام لمنظمة الآسيان. ومع أن المنظمة تضم في عضويتها دولاً ما يفرقها أكثر مما يجمعها، فإن الظروف الدولية الراهنة، خاصةً فرض الولايات المتحدة لتعرِفات جمركية على عدد من أعضائها، من بينهم الصين والهند، وكانت رسوم الأخيرة مضاعفة بسبب شرائها للنفط الروسي، بالإضافة إلى تعثر مفاوضات حل الأزمة الأوكرانية، وفرض الولايات المتحدة لعقوبات جديدة على 18 كيانًا وفردًا إيرانياً، وصفتها وزارة الخزانة الأمريكية بأنها “شبكة تساعد إيران على التهرب من العقوبات من أجل الحصول على إيرادات”.  

تلك الظروف كان لها انعكاس واضح، سواءً على كلمات القادة أو ما توافق عليه الأعضاء في البيان الختامي. ففي الوقت الذي قال فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن المنظمة تسعى دائماً إلى تحقيق “تعددية قطبية حقيقية”، قال الرئيس الصيني تشي جين بينج أن “المنظمة نجحت في وضع نموذج جديد للعلاقات الدولية”،بينما طالب رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أعضاء المنظمة بالتعاون من أجل “إصلاح المؤسسات الدولية”. ومع أهمية ما أسفرت عنه القمة من نتائج – من بينها الاتفاق على إنشاء مصرف التنمية لمنظمة شنغهاي للتعاون،وتنفيذ استراتيجية للتعاون في مجال الطاقة بين الدول الأعضاء حتى عام 2030م – فإنه لا يمكن القول بأن ذلك التقارب في الرؤى يعكس توجهاً استراتيجياً للمنظمة، أو بالأحرى إمكانية التأثير في النظام الدولي الراهن. ولا تعدو تلك النتائج سوى إتاحة هامشٍ من المناورة لتلك الدول التي لديها خلافات مع الولايات المتحدة الأمريكية.  

فعلى الرغم من وجود هوة في المواقف بين روسيا والغرب بشأن المسألة الأوكرانية، فإن لقاء الرئيس الروسي مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب قد أسس لمسار مهم، بما يعني أنه رغم حرص روسيا على عضويتها في المنظمات الدولية متعددة الأطراف، ومنها تكتّل بريكس ومنظمة الآسيان، فإن ذلك لا يعني أنها أسست تحالفات مضادة للغرب، وإنما تتيح لها تعاملات اقتصادية مرنة في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها. من ناحية ثانية، وبغض النظر عن الخلاف الراهن بين الولايات المتحدة والهند من جرّاء فرض رسوم جمركية على الواردات الأمريكية من الهند بنسبة 50% بسبب استيراد الأخيرة للنفط الروسي. لوحظ خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي للولايات المتحدة في فبراير 2025م ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت هناك نتائج مهمة لتلك الزيارة، من بينها تخطيط الدولتين لزيادة حجم التبادل التجاري بينهما ليصل إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2030م. من ناحية ثالثة، تتخذ العلاقات الأمريكية – الصينية مسارات صعود وهبوط، ويوصف التقارب الصيني – الهندي بأنه تقارب “حذر”، حيث تعد زيارة رئيس الوزراء الهندي للصين هي الأولى منذ عام 2018م بعد تسوية الخلافات بين البلدين، ولكن لا يعني الخلاف مع الولايات المتحدة تقارباً تلقائياً بين الدولتين. 

ويعني ما سبق أن التقارب بين الأطراف المختلفة، التي يجمعها أمر واحد هو معارضة إجراءات الرئيس ترامب لفرض رسوم تجارية، هو أمر تكتيكي، لكنه لا يشي بتحولات استراتيجية في المواقف.

وبغض النظر عن تلك النتائج فإن المنظمة في سبيلها لضم دول جديدة كشركاء حوار ، وفي هذا الإطار قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن “منظمة شنغهاي للتعاون تدرس طلبات عشرات الدول للانضمام إلى صفوفها بصفة مراقب أو شريك في الحوار”، ،وفي تقديري أن اهتمام العديد من الدول بتلك المنظمة ومن بينها مملكة البحرين، التي تم منحها صفة شريك حوار  في عام 2023م  في تلك المنظمة يعكس رغبتها في تعزيز قضايا التنمية ضمن إطار متعدد الأطراف ، فضلاً عن الدعم السياسي من جانب القوى الكبرى في المنظمات الدولية لقضايا الدول التي لديها تلك الصفة عموماً.

وفي تصوري أن تشابك المصالح الاقتصادية غير المسبوق، وزيادة عدد المنظمات الدولية المعنية بفكرة المنافع المشتركة، يشكلان السبيل الأمثل نحو صياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب، ولكن من المنظور الاقتصادي وليس التحالفات العسكرية.         

د. أشرف محمد كشك : مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية  

آخر تحديث : 30 أكتوبر 2025