آلية عمل مضيق ملقا: هل يمكن تطبيقها في مضيق هرمز؟

الرئيسية / الأبحاث والتحليلات / آلية عمل مضيق ملقا: هل يمكن تطبيقها في مضيق هرمز؟

في خضمّ الحديث عن تأمين الملاحة البحرية في مضيق هرمز – وهي القضية التي تستحوذ على جانب كبير من اهتمامات دول العالم في الوقت الراهن، وكانت في الوقت ذاته سببًا ونتيجةً للتطورات الراهنة – وأوردت بعض التقارير الإعلامية غير المؤكدة أن سلطنة عمان، من خلال مباحثاتها مع إيران بشأن هذه القضية، قدمت مقترحًا – بزعم تلك التقارير – مفاده تأسيس آلية إقليمية مشتركة لإدارة مضيق هرمز، تتضمن دفع رسوم بشكل طوعي من قبل مستخدمي المضيق، على أن تُخصص هذه الرسوم لخدمات الملاحة، وحماية البيئة، وعمليات البحث والإنقاذ. وبموجب هذه الآلية، لن تكون لإيران سيطرة منفردة على المضيق، على غرار الآلية المعمول بها في مضيق ملقا. ومن هنا يُطرح التساؤل: هل يمكن تطبيق هذه الآلية بالفعل في مضيق هرمز؟

يُعد مضيق ملقا أحد أهم الممرات المائية الدولية في العالم، حيث يتم من خلاله نقل النفط والغاز من منطقة الشرق الأوسط إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول أخرى، كما تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية تُقدر بنحو 22%. وتوجد ثلاث دول مشاطئة للمضيق، هي: ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، وتضطلع هذه الدول بالدور الأساسي في تأمين الملاحة البحرية في المياه الواقعة ضمن حدودها الإقليمية. وتمارس هذه المسؤولية من خلال ثلاث آليات رئيسية. أولاً: تأسيس آلية دائمة للتعاون في عام 2007م، تتمثل مهمتها في دعم الحوار وتعزيز حركة الملاحة البحرية من خلال صندوق مخصص لهذا الغرض. ثانياً: الدوريات المشتركة التي تأسست في عام 2004م بهدف تعزيز التنسيق الأمني البحري لمواجهة مختلف التهديدات البحرية. ثالثاً: توظيف التكنولوجيا لدعم وتسهيل حركة الملاحة من خلال توفير الخرائط والبيانات الملاحية للسفن بصورة فورية.

وبنظرة متمعّنة إلى الآلية المعمول بها في مضيق ملقا، نجد أنها تعكس ثلاثة أمور رئيسية. أولاً: التزام الدول الثلاث بعدم عرقلة الملاحة البحرية في هذا المضيق الدولي، تطبيقًا لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م. ثانياً: تعكس الإجراءات التي تتخذها الدول الثلاث في مجال الملاحة البحرية جوهر مدوّنات قواعد سلوك الأمن البحري، وهي المدوّنات التي يجري تطبيقها في بعض مناطق العالم، ومنها منطقة غرب أفريقيا، كما تسعى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) إلى تطبيقها في بحر الصين الجنوبي، وقد أدّت هذه المدوّنات دورًا مهمًا في تعزيز أمن الملاحة البحرية. ثالثاً: قناعة الدول الثلاث بأن تأمين الملاحة في هذا المضيق يمثل مسؤولية إقليمية ودولية في آنٍ واحد. ورغم أن الدول الكبرى المعنية بضمان المرور الآمن للسفن في هذا المضيق لا ترسل قوات عسكرية أو تؤسس تحالفات بحرية لهذا الغرض، فإنها تسهم في حماية الأمن البحري من خلال دعم صندوق الملاحة البحرية.

ومقارنةً بالوضع الراهن في مضيق هرمز، قد لا تكون هذه الآلية ملائمة للتطبيق لستة أسباب.

أولاً: ارتباط تهديد إيران للملاحة البحرية في مضيق هرمز بمسألة الحدود البحرية، إذ ما زالت إيران تحتل الجزر الإماراتية الثلاث، وترى أن مياهها الإقليمية تمتد من السواحل الإيرانية انطلاقاً من تلك الجزر، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من المضيق يُعد، من وجهة نظرها، مياهًا إقليمية تابعة لها. في المقابل، تمكّن كلٌّ من ماليزيا وإندونيسيا في عام 2023م من تسوية خلافاتهما المتعلقة بالحدود البحرية بعد نزاع استمر 18 عامًا.

ثانياً: عدم التزام إيران باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إذ وقعتها لكنها لم تصادق عليها. وخلال إحدى مداخلاته في جلسة لمجلس الأمن، صرّح سفير إيران لدى الأمم المتحدة بأن “إيران ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وليست مُلزَمة بأحكامها”، وذلك بخلاف حال دول مضيق ملقا التي تلتزم بتطبيق نصوص الاتفاقية دون انتهاكات.

ثالثاً: رغم وجود اختلال في توازن القوى بين الدول الثلاث المشاطئة لمضيق ملقا – إذ تتمتع إندونيسيا بأكبر عدد من السكان، وتمتلك سنغافورة مركزًا ماليًا وتكنولوجيًا متقدمًا للغاية، وتجمع ماليزيا بين ميزة الكثافة السكانية والنمو الاقتصادي – لم يُوَظَّف هذا الاختلال من قبل الدولة الأكبر لممارسة الهيمنة على الدول الأخرى. ويختلف الوضع في حالة إيران، التي مارست، منذ قيام الثورة الإيرانية في عام 1979م وحتى الآن، مشروعًا إقليميًا للهيمنة لم يتغير بتغيُّر النخب الحاكمة. وتتمثل إحدى أدوات هذا المشروع في توظيف موقعها كدولة بحرية، واستخدام ورقة مضيق هرمز لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.

رابعاً: بغضّ النظر عن طبيعة العلاقات بين الدول الثلاث المشاطئة لمضيق ملقا، فإنها في الوقت ذاته أعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، بما يوفر إطارًا للأمن الإقليمي يتم من خلاله التنسيق لضبط السلوك الإقليمي لهذه الدول وفقًا لميثاق الرابطة. بخلاف ذلك، تشهد منطقة الخليج العربي وجود رؤيتين متباينتين للأمن الإقليمي. الأولى تتمثل في رؤية مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي يضم أعضاءه الست، والثانية تتمثل في رؤية إيران للأمن الإقليمي، التي تعارض أي وجود أجنبي في المنطقة، وهو ما ينعكس على قضايا الأمن البحري.

خامساً: عدم قبول إيران بفكرة التعاون الإقليمي في المجال البحري إلا من خلال المبادرات التي أعلنت عنها، والتي تزامنت مع تصاعد حدة التوتر مع الولايات المتحدة. وجاءت هذه المبادرات في صورة مبادئ عامة دون آليات تنفيذ واضحة أو تعهدات حقيقية من جانب إيران، للتعامل بحسن نية مع قضايا أمن الملاحة البحرية والأمن الإقليمي بصورة عامة.

سادساً: جاءت ترتيبات الملاحة البحرية في مضيق ملقا استجابةً لتهديدات القرصنة البحرية وقبلها دواعي السلامة البحرية والبيئية وتنظيم حركة السفن، التي لم تكُن صادرةً عن دولةٍ بعينها، في حين أن إيران تمثل، وفق هذا الطرح، التهديد الأساسي للملاحة البحرية في مضيق هرمز، مع مراهنتها على عدم امتلاك عددٍ من الدول الإقليمية منافذ بحرية بديلة لتجارتها مع العالم الخارجي، منها مملكة البحرين ودولة قطر ودولة الكويت.

وعودًا على بدء، يمكن القول بأن أهمية المقترح العُماني لا تعني أنه سيكون المقترح الأخير، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بالنسبة للملاحة البحرية، وإلى سعي إيران المستمر إلى توظيف المضيق للمساومة في أزماتها مع الولايات المتحدة. ولا شك أن نجاح الدول الإقليمية، بالتعاون مع الدول الفاعلة في المجتمع الدولي، في بَلْوَرَة آلية دائمة للحفاظ على الملاحة البحرية في مضيق هرمز، الذي يمثل مثالًا واضحًا على تداخل الحدود الفاصلة بين الأمن الإقليمي والأمن العالمي، سيكون له أثر بالغ على دول الخليج العربي ومنظومة الأمن الإقليمي بأكملها.

د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية، مركز “دراسات”

آخر تحديث : 29 يوليو 2026