الاعتداءات الإيرانية على مملكة البحرين ودول الخليج العربي: تهديد سيادة الدول وأمنها الوطني
لم تكن المواجهة العسكرية التي بدأت منذ 28 فبراير 2026م وحتى الآن بين كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران منشئة لأزمة إقليمية جديدة، ولكنها كانت كاشفة لأزمة مزمنة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لطالما طالبتها بضرورة التعاون وإبداء الشفافية الكاملة بشأن برنامجها النووي، الذي يمثل تهديداً للعديد من الأطراف الإقليمية، وخاصةً لجهة التوازن الإقليمي الذي يعد مصلحة استراتيجية لدول الخليج العربي، فضلاً عن سعي إيران إلى تطوير أجيال متقدمة من الصواريخ، ودعم أذرعها الإقليمية.
الأزمة جاءت بلا مقدمات، وكان اندلاعها على هذا النحو تحدياً هائلاً لكافة دول المنطقة، ومن بينها دول الخليج العربي على نحو خاص، والتي وجدت ذاتها جزءًا من هذه المواجهات، من خلال بدء إيران باستهداف العديد من المنشآت المدنية والمرافق الحيوية في دول الخليج العربي الست، على الرغم من أنها لم تناصب إيران العداء خلال كافة الحقب الزمنية المختلفة، بل حرصت على انتهاج سياسة حسن الجوار واحترام سيادة الدول واستقلالها كمبادئ راسخة في المواثيق الدولية. ففي الوقت الذي سعت فيه إيران إلى دعم الجماعات دون الدول في دول الجوار، لم تسع دول الخليج العربي إلى التدخل في الشؤون الداخلية لإيران، وعبر السنوات الماضية، كانت دول الخليج العربي هي من تبادر بمد يدها نحو إيران في محاولة لرأب الصدع في العلاقات الذي تسبب فيه إصرار إيران على تصدير مبادئ الثورة ومحاولة التمدد نحو الخليج من ناحية، وتداعيات الحرب العراقية-الإيرانية التي كانت إيران أحد طرفيها وسعت لتوريط دول الخليج العربي فيها من ناحية ثانية. كما سعت دول الخليج العربي نحو المسار الدبلوماسي من خلال الاتفاق السعودي-الإيراني في عام 2023م برعاية الصين. وكانت مملكة البحرين على المسار ذاته، إذ أن قطع العلاقات الدبلوماسية بين دول الخليج العربي وإيران في عام 2016م كان بسبب الاعتداء الإيراني على السفارة والقنصلية السعوديتين على أراضيها، ورغم ذلك فإن دول الخليج العربي لطالما استهدفت تحقيق التوازن بين السياسة المتغيرة والجغرافيا الثابتة، وكان الخطاب الرسمي الخليجي يصف إيران بالدولة الجارة ولا بد من تأسيس العلاقات معها على مبادئ القانون الدولي والمنظمة الأممية، بل إن المفاوضات النووية التي أسفرت عن توقيع الاتفاق النووي في عام 2015م، ثم المفاوضات اللاحقة حتى عشية الحرب جرت برعاية سلطنة عمان.
إلا أن الاعتداءات الإيرانية الحالية التي استهدفت المنشآت المدنية والمرافق الحيوية في مملكة البحرين ودول الخليج العربي، بل وطالت العديد من دول المنطقة الأخرى ومنها العراق والأردن وتركيا وسوريا، تمثل انتهاكاً صارخاً لكافة المواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة الذي ارتضته دول العالم كافة كمظلة دولية حاكمة لعلاقاتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، فمملكة البحرين ودول الخليج العربي لم تكن يوماً دعاة حرب، بل تنتهج سياسة خارجية معتدلة تقوم على حل الصراعات بالوسائل السلمية واحترام سيادة الدول واستقلالها.
دول الخليج العربي لديها حق الرد وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، بالإضافة إلى مسارات المساءلة الدولية نتيجة للاعتداءات الإيرانية.
التبريرات التي جاءت على لسان المسؤولين الإيرانيين بأن دول الخليج العربي ليست هي هدف الاعتداءات الإيرانية بل القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها تجافي الواقع والمنطق، فالثابت هو أن إيران انتهكت سيادة دول الخليج العربي وطالت هجماتها المنشآت المدنية والمرافق الحيوية، وهي جرائم بحق سيادة الدول والمدنيين، ولن تكون تداعياتها وقتية بل ستمتد لسنوات مقبلة، إذ عزلت إيران ذاتها مرتين، الأولى عندما بدأت مشروعاً آيديولوجياً ثورياً سعى إلى التدخل في شؤون الدول الأخرى على مدى عقود خلت منذ قيام الثورة الإيرانية – التي قال المسؤولون الإيرانيون صراحةً بأن هدفها الأول هو دول الخليج العربي والمؤشرات والأدلة على ذلك عديدة؛ والثانية عند تهديد حياة وسلامة المواطنين والمقيمين في دول الخليج العربي بالاعتداءات الأخيرة.
السياسات الإيرانية منذ عام 1979م وحتى الآن، والتي أفضت إلى الوضع الراهن، تعكس الفارق بين نموذجين للحكم؛ الأول نموذج ثوري لديه ثروات متعددة بيد أنه قام بتوظيفها في الانخراط في صراعات لم يكن الهدف منها سوى تحقيق الزعامة والهيمنة الإقليمية ضمن جوار خليجي لم يشهد حالة اعتداء واحدة على الأراضي الإيرانية. ونموذج آخر تعبّر عنه دول الخليج العربي الست، كانت رفاهية ورخاء مواطنيها هدفاً استراتيجياً عكسته كافة التقارير الدولية المعنية بمؤشرات التقدم والنمو.
إن الاعتداءات الإيرانية على أراضي دول الخليج العربي، وإن مثلت خطورة حالية، فإن خطورتها الأكبر سوف تطال الأمن الإقليمي برمته على المديين القريب والبعيد، سواءً لما قد تسفر عنه المواجهات العسكرية من ظهور نظام جديد في إيران يكون قد استوعب الدروس المستفادة من نصف قرن من الصراعات التي لا طائل منها، أو ظهور نظام آخر أكثر تشدداً من سلفه ليعيد إنتاج لعبة الصراعات الإقليمية مجدداً ليبقي على المنطقة في حالة من العنف والعنف المضاد، ويكون الشعب الإيراني في نهاية المطاف هو من يدفع ثمن سياسات نظامه السياسي غير المحسوبة.
د. أشرف محمد كشك مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية مركز “دراسات”
