البرامج الصاروخية والمسيّرات الإيرانية وأمن الخليج العربي
في خضمّ الحديث عن عقد جولة ثانية من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، يُثار الجدل حول بنود الاتفاق المتوقع، سواءً أكان اتفاقًا إطارياً يؤسّس لمسار مفاوضات نحو اتفاق نهائي، أم الاتفاق النهائي نفسه خلال هذه المفاوضات. ومع أهمية تضمين الاتفاق لكافة مصادر التهديد الإيراني لأمن الخليج العربي والأمن الإقليمي، ولا سيما مسألة مضيق هرمز والبرامج النووية الإيرانية، فإنه – في تقديري – لا تقلّ البرامج الصاروخية والمسيّرات الإيرانية خطورةً عن سابقتها من القضايا، وذلك لخمسة أسباب:
الأول: تأكيد مصادر أمريكية على احتفاظ إيران بـ 40% من مخزونها من المسيّرات الهجومية و60% من منصات إطلاق الصواريخ، ما يعني حتمية تقييد جهودها لإنتاج المزيد منها.
الثاني: يعزّز تطوير إيران لأجيالٍ من المسيّرات الهجومية مفهوم الحروب اللامتماثلة، التي لا تكون بين جيوش نظامية، بل من خلال توظيف التكنولوجيا العسكرية لإيقاع أكبر قدر من الخسائر بأقل التكاليف، عبر استهداف أهداف بحرية – على سبيل المثال – كالناقلات أو منصات إنتاج النفط في المنطقة مستقبلًا.
الثالث: في الوقت الذي يمكن فيه فرض قيود على البرامج النووية، ليس الأمر بالسهولة نفسها بالنسبة للصواريخ والمسيّرات، نظرًا لسهولة إنتاجها والقدرة على إخفاء مؤشرات تطويرها، بخلاف ما يحدث في عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مواقع البرنامج النووي الإيراني.
الرابع: تُعدّ الصواريخ والمسيّرات من وسائل دعم إيران للوكلاء الإقليميين، إذ يسهل تفكيك مكوناتها وإخفاؤها ضمن الشحنات البحرية. فمثلاً، في يوليو 2025م، أحبطت قوات الأمن اليمنية محاولة تهريب 750 طنًا من الذخائر من إيران إلى الحوثيين عبر البحر الأحمر، وتضمّنت شحنات من منظومات صاروخية بحرية وجوية، ومنظومة دفاع جوي، ورادارات حديثة، وطائرات مسيّرة، وأجهزة تنصّت، وصواريخ مضادة للدروع، ومدفعية «بي-10»، وعدسات تتبّع، وقناصات وذخائر، ومعدات حربية.
الخامس: انتهاء القيود التي تضمّنها قرار مجلس الأمن رقم 2231 لعام 2015م بشأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني في أكتوبر 2023م، والتي شملت حظر تصدير التقنيات والمواد والعناصر اللازمة لصناعة الصواريخ في إيران، وكذلك تصديرها. واستمرت هذه القيود لمدة ثماني سنوات منذ توقيع الاتفاق الإطاري بشأن البرنامج النووي في عام 2015م بين إيران ومجموعة (5+1)، والذي أفضى إلى خطة العمل الشاملة المشتركة في يوليو من العام ذاته. وكان هذا قرارًا أمميًا، مما يعكس وجود مخاوف لدى المجتمع الدولي بشأن تلك البرامج التي لا تقل خطورة عن المسألة النووية ومضيق هرمز.
وفي تقديري، لا ينبغي تجزئة المخاطر الإيرانية لأن جميع مصادر التهديد الإيراني لأمن الخليج العربي والأمن الإقليمي لم تعد طرحًا نظريًا أو سرديات أكاديمية أو تقارير استخباراتية غربية، بل أكّدتها الحرب الأخيرة التي عكست مفهوم الحروب اللامتماثلة، إذ استُخدمت فيها التكنولوجيا العسكرية على نطاق واسع، وكانت اختبارًا واضحًا لعدم التناسب بين اعتداء منخفض التكلفة وتكاليف باهظة لاعتراضه.
من ناحية أخرى، فإن الاتفاق المتوقع – والحديث عن تسوية بعض القضايا أو كلها – سيتم مع بقاء النظام الإيراني، وبغضّ النظر عن طبيعته (قوةً أو ضعفًا)، فسيمثّل امتدادًا لمشروع إيراني لا يزال يُعلي من مفهوم الثورة على حساب الدولة. ويرتكز هذا المشروع أساساً على منطق التفوق البشري والعسكري، وتوظيف طبيعة إيران كدولة بحرية. ويُعدّ السبيل الأسهل لإيران – والأبعد عن رقابة المجتمع الدولي وتحكّمه – هو تسريع وتيرة إنتاج الصواريخ بمختلف مدياتها، وتطوير الطائرات المسيّرة الهجومية الأكثر تقدمًا، ما يعني بقاء المنشآت الحيوية في منطقة الخليج العربي في مرمى خطر الاستهداف الإيراني.
ولم تكن الحرب الأخيرة هي المرة الأولى التي تُستخدم فيها الصواريخ والمسيّرات. فرغم وجود حظر وقيود على إيران في مجال إنتاج الصواريخ، فقد استُهدفت منشآت النفط التابعة لشركة أرامكو في عام 2019م بصواريخ ومسيّرات إيرانية، فضلًا عن سلسلة من الاعتداءات على ناقلات النفط في مناطق مختلفة من سواحل الخليج العربي بين عامي 2019 و2022م، وهو أنذر حينها باندلاع حرب ناقلات جديدة.
وخلاصة القول، إنه من الخطأ اختزال الخطر الإيراني في المسألة النووية، فطالما بقي النظام الإيراني بآيديولوجيته ومشروعه الإقليمي، استمرت الحاجة إلى تقييد برامجه الصاروخية وتطويره للمسيّرات، حتى لو تطلّب الأمر السعي لاستصدار قرارٍ أممي بهذا الشأن.
د. أشرف محمد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية
