الجماعات المسلحة من دون الدول واستهداف المدنيين: المسؤولية القانونية والأبعاد الأخلاقية
تطرح الجماعات المسلحة من غير الدول (Non-State Armed Groups) إشكالية أساسية في النزاعات المعاصرة، تتمثل في التفاوت بين قدرتها على إيقاع الضرر وفاعلية الآليات الكفيلة بمساءلتها. وتتقاطع هذه الإشكالية جزئيًا مع أطروحة ماري كالدور عن “الحروب الجديدة”، التي تُبرز استخدام العنف ضد المدنيين والتهجير وسيلتين للسيطرة على السكان وإعادة تشكيل المجال السياسي. وفي هذا الإطار، تحيل “فجوة المساءلة” إلى صعوبة إنفاذ القواعد القانونية وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات وملاحقتهم؛ الأمر الذي يعزز الإفلات من العقاب ويضاعف الكلفة التي يتحملها المدنيون.
وتقدم الاعتداءات التي أصابت مرافق خمسة مطارات سعودية بين 5 و11 أكتوبر 2026 مثالًا واضحًا على هذه الكلفة. فقد شملت مطارات الملك عبد الله بن عبد العزيز بجازان، ونجران، وأبها، والملك خالد بالرياض، والملك فهد بالدمام، وعلى رأسها اعتداء 10 أكتوبر على مطار الملك خالد الدولي، الذي أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني أنه أسفر عن وفاة 12 شخصًا، وإصابة 309 آخرين. وبجمع الحصائل التي أعلنتها الهيئة عن مجمل هذه الوقائع، بلغ عدد الوفيات 19 على الأقل، وعدد الإصابات 359 على الأقل. وقد أعلنت جماعة الحوثي تبنّي عدد من هذه الهجمات، فيما أشارت الخارجية السعودية إلى انطلاق هجمات أخرى من الأراضي العراقية.
وتستدعي هذه الوقائع، بما أسفرت عنه من ضحايا مدنيين، مساءلة أخلاقية تتجاوز الحسابات العسكرية؛ فحياة المدنيين لا يجوز اختزالها في أداة للإكراه السياسي. فالأديان والأعراف والمواثيق الدولية جميعها تؤكد حرمة الاعتداء وضوابط القتال. ومن ثم، فإن توظيف الخطاب الديني من قِبَل جماعة الحوثي لتسويغ الاعتداء على غير المشاركين في القتال يثير تناقضًا بين ادعاء المشروعية ومقتضياتها الأخلاقية.
وأمام هذا الواقع، تقتضي المعالجة القانونية التمييز بين ثلاثة مستويات للمسؤولية. يتعلق الأول بالجماعة المنفّذة وأفرادها؛ إذ تُلزم المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف لعام 1949 أطراف النزاع غير الدولي بضمان حد أدنى من المعاملة الإنسانية لغير المشاركين مباشرة في الأعمال العدائية، وتكملها القواعد العرفية المتعلقة بحماية المدنيين، وذلك على افتراض تكييف الوقائع نزاعًا مسلحًا غير دولي، وهو تكييف يحتاج إلى تحليل مستقل. ويُعد تعمّد توجيه الهجمات إلى المدنيين المشمولين بالحماية جريمة حرب عند استيفاء أركانها وصلتها بنزاع مسلح. وتبرز فجوة المساءلة هنا في أن الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية تخضع لشروط اختصاصها وقبول الدعوى، فلا تتوافر ولايتها تلقائيًا.
ويتعلق المستوى الثاني بالدولة الداعمة؛ فبموجب المادة الثامنة من مواد مسؤولية الدول لعام 2001، يُسند سلوك الجماعة إلى دولة إذا ثبت تنفيذه بناءً على تعليماتها، أو تحت توجيهها أو سيطرتها الفعلية في العملية المعنية. ولا يكفي التمويل أو التسليح وحدهما لإسناد جميع الانتهاكات إليها، وإن كان الدعم قد يرتب مسؤولية مستقلة متى خالف التزامات دولية، ومنها حظر توريد السلاح إلى الجهات المشمولة به. وتكمن الفجوة هنا في صعوبة إثبات السيطرة الفعلية في كل عملية على حدة.
أما المستوى الثالث، فيخص الدولة التي تنطلق الهجمات من إقليمها؛ إذ تُبحث مسؤوليتها عن الإخلال بواجبات الوقاية في ضوء علمها بالخطر والتدابير المعقولة المتاحة لها. ويمكن قراءة مطالبة الخارجية السعودية العراق بمنع استخدام أراضيه منطلقًا للهجمات في ضوء مبدأ العناية الواجبة (Due Diligence)، الذي تُعد قضية مضيق كورفو لعام 1949 من مرجعياته القضائية. وتظهر فجوة المساءلة هنا في تعدد متطلبات الإثبات، بدءًا من تحديد المنفّذ وطبيعة الهدف، وصولًا إلى إثبات صلة الداعمين بالفعل ومدى تقصير السلطات المعنية في منعه.
وتقود هذه القراءة إلى مسار عمل متكامل يوازي هذه المستويات. فعلى مستوى الجماعة المنفّذة، يبدأ المسار بتوثيق الانتهاكات وفق معايير مهنية، وحفظ الأدلة وسلاسل حيازتها، وإتاحتها لجهات التحقيق والآليات الأممية المختصة، ومنها فريق الخبراء المنشأ بموجب القرار 2140 لعام 2014، في حدود ولايته الداعمة لنظام العقوبات. وعلى مستوى الدولة الداعمة، يتطلب المسار تعقب شبكات الإمداد وإنفاذ حظر التسليح المقرر بالقرار 2216 لعام 2015، والذي شمل الحوثيين كيانًا بموجب القرار 2624 لعام 2022.
وفي المسار السياسي، تبرز الحاجة إلى ترتيبات قابلة للتحقق لحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، وإخضاع هذه المؤسسات ذاتها للمساءلة، مع اعتبار حماية المدنيين التزامًا واجبًا في جميع مراحل النزاع والتفاوض. وعلى هذا الأساس، تصبح صيانة الحياة المدنية معيارًا لجدية التسوية، وسد فجوة المساءلة شرطًا لبناء استقرار إقليمي قابل للاستمرار.
الباحثة تسنيم عبدالله عيسى، باحث مساعد في برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية، مركز (دراسات)