متطلبات استعادة الأمن الإقليمي في ظل انتشار الجماعات المسلحة

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / متطلبات استعادة الأمن الإقليمي في ظل انتشار الجماعات المسلحة

يُشكل فهم طبيعة الفاعلين من دون الدول في الشرق الأوسط أحد أبرز التحديات أمام جهود إعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي واستعادة استقرار الدول الوطنية. ففي ظل تشابك الأزمات الداخلية مع التجاذبات الإقليمية والدولية، باتت ظاهرة الجماعات المسلحة مسبِّبًا لعدد من الإشكاليات التي تمس سيادة الدول وأسس القانون الدولي وآليات إنفاذه. ومن هنا تبرز أهمية دراسة هذه الظاهرة عبر تحليل أدوار هذه الجماعات ووظائفها ومسارات تطورها، والانتقال من إدارة الأزمات والمعالجات الجزئية إلى استراتيجيات شاملة تستند إلى ترسيخ سلطة الدولة، وإنفاذ القانون، ونزع السلاح، بوصفها متطلبات أساسية لتحقيق الاستقرار والتعافي المستدام في المنطقة.

إن أي معالجة واقعية لظاهرة الجماعات المسلحة تعتمد بالأساس على التمييز بين طبيعة هذه التنظيمات وأهدافها، إذ يشكل الوعي بالتباين الواضح في أنماطها نقطة الارتكاز الأساسية لبناء أي مسار سياسي أو أمني ذي نتائج مستدامة. فالجماعات المسلحة ليست كتلة واحدة، بل تنقسم إلى فئتين رئيسيتين، وهما التنظيمات التي تعمل بالوكالة لصالح قوى خارجية وتفتقر إلى أي مشروع وطني، والتنظيمات التي نشأت في أصلها عن تظلمات محلية ومجتمعية يمكن، في ظل ظروف مناسبة، إعادة إدماجها تحت مظلة الدولة. يفرض هذا التباين بدوره استراتيجية مزدوجة في التعامل مع تلك الجماعات، إذ تستوجب في الحالة الأولى قطع كافة المقومات والروابط المالية واللوجستية عنها، بينما تتطلب في الحالة الثانية صياغة تسويات سياسية شاملة تعالج القضايا الناشئة عن التظلم المحلي.

وفي ظل المعطيات الراهنة في المنطقة، تبرز معضلتان أساسيتان تعوقان فرض الاستقرار، حيث تتمثل الأولى في أن هذه الصراعات باتت تتجاوز نطاقها المحلي سريعًا نظرًا لارتباط معظم هذه الجماعات بمرجعيات خارجية. وتتجسد هذه الظاهرة جليًّا في إطار ما طرحه المفكر باري بوزان حول مفهوم “مُرَكّبات الأمن الإقليمي”، حيث يتشابك أمن دول المنطقة بدرجة تحول دون إمكانية فصل الأمن الوطني عن الأمنين الإقليمي والعالمي. أما المعضلة الثانية فتكمن في القصور الواضح في آليات الإنفاذ الدولية، رغم كفاية وجودة الأطر القانونية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، حيث يتجلى ذلك بوضوح في نموذجي لبنان واليمن، ففي الحالة اللبنانية ينص القرار رقم 1701 لعام 2006م بوضوح على حصرية السلاح والسلطة بيد الدولة اللبنانية، بينما يأتي القرار رقم 2216 الصادر بخصوص اليمن عام 2015م بموجب الفصل السابع بلغة أكثر مباشرة، مطالبًا جماعة الحوثي الإرهابية بتسليم كافة الأسلحة المنهوبة من المؤسسات العسكرية والأمنية. وبناءً على ذلك، يتضح أن المرجعية القانونية الدولية متكاملة الأركان وموجودة بالفعل في كلا الحالتين، إلا أن الفجوة الحقيقية تكمن في غياب آليات الإنفاذ الميداني الفعال.

ومن هذا المنطلق، تترتب على هذا القصور الإجرائي تبعات واضحة تتجاوز الحدود الجغرافية لمناطق النزاع لتطال أربعة محاور حيوية؛ إذ يتسبب الاستمرار في الانفلات الأمني بفعل انتشار الجماعات المسلحة في بروز أزمات النزوح القسري والهجرة غير النظامية التي تضغط بشكل مباشر على اقتصادات دول الجوار، إلى جانب انتشار الجريمة المنظمة واقتصادات الظل القائمة على تهريب السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر. ويضاف إلى ذلك تعزز احتمالية وقوع الكوارث الإنسانية التي تتصل باستئثار الجماعات المسلحة بالمقدرات والثروات الوطنية، فضلًا عن التهديد المباشر لسلامة الملاحة والتجارة الدولية، وهي تكاليف باهظة تنعكس أعباؤها على حركة الاقتصاد العالمي ككل.

وعند البحث عن نماذج عملية لكيفية معالجة قضية نزع السلاح وإعادة الإدماج، تقدم التجربة الكولومبية نموذجًا تطبيقيًا فريدًا، فبعد نزاع استمر لنحو خمسين عامًا مع حركة “فارك”، تبنى مجلس الأمن القرار رقم 2261 عام 2016 لتأسيس بعثة أممية لمراقبة وقف إطلاق النار والتحقق من التجريد من السلاح عبر آلية ثلاثية جمعت الحكومة والحركة والأمم المتحدة. وقد أثمر هذا المسار بحلول منتصف عام 2017 عن تسليم أكثر من سبعة آلاف قطعة سلاح فردية جرى تخزينها وتوثيقها تحت إشراف أممي كامل، تلاها تفكيك المخابئ وتدمير الذخائر غير المستقرة، وصولًا إلى القرار رقم 2366 الذي أنشأ بعثة ثانية أشرفت على إعادة إدماج المقاتلين أمنيًا وسياسيًا، بما أدى إلى تحول الحركة إلى حزب سياسي.

وتكشف قراءة هذا النموذج عن تكامل أربعة عناصر رئيسة، بداية من وجود ولاية صريحة من مجلس الأمن، ومراقبين على الأرض يمتلكون صلاحية الاستلام والتسليم الفعلي للسلاح، مرورًا بضمانات دولية مستدامة لرعاية عملية إعادة الإدماج، ووصولًا إلى الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة واستمراريتها طوال المرحلة الانتقالية.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن مسار الحل لواقع الجماعات المسلحة يكمن في ثلاث أولويات رئيسية، تتلخص الأولى في ضرورة التزام المجتمع الدولي بالاتساق والثبات في تصنيف هذه الجماعات المسلحة، حيث يمنح التذبذب والتغير المستمر في التصنيفات هامشًا لتلك الجماعات للمناورة ويقوض الضغوط التراكمية الممارسة عليها، كما يبرز ذلك في حالة جماعة الحوثي. وتتمثل الأولوية الثانية في بناء آلية أممية للتثبت ونزع السلاح تدعمها ولاية صريحة من مجلس الأمن، لتتولى مهام الجمع والتسجيل والتحقق الميداني المباشر بدلًا من البعثات التفتيشية التقليدية. أما الأولوية الثالثة فتقتضي تركيز الجهود على تجفيف شبكات التمويل وسلاسل التوريد، من خلال تتبع مكونات الطائرات المسيرة والأنظمة الصاروخية، وتفعيل أدوات مجموعة العمل المالي لمواجهة التدفقات المالية غير المشروعة التي تشكل الشريان الحيوي لاستمرار هذه الجماعات.

الباحث عبدالرحمن إبراهيم الفزيع، محلل أول في برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية بمركز “دراسات”

آخر تحديث : 4 أكتوبر 2026